كمال الدين دميري

103

حياة الحيوان الكبرى

تذكر به عليا على المنابر ، وجعل مكان ذلك قوله تعالى * ( إِنَّ الله يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ والإِحْسانِ ) * الآية وقال « 1 » فيه كثير عزة : ولَّيت ولم تسبب عليا ولم تخف مريبا ولم تقبل مقالة مجرم « 2 » وصدّقت القول الفعال مع الذي أتيت فأمسى راضيا كلّ مسلم « 3 » فما بين شرق الأرض والغرب كلها مناد ينادي من فصيح وأعجم يقول أمير المؤمنين ظلمتني بأخذك ديناري وأخذك درهمي « 4 » فأربح بها من صفقة لمبايع وأكرم بها من بيعة ثم أكرم « 5 » وكتب إلى عماله أن لا يقيدوا مسجونا بقيد ، فإنه يمنع من الصلاة . وكتب إلى عامله بالبصرة عدي بن أرطأة : عليك بأربع ليال من السنة ، فإن اللَّه تبارك وتعالى يفرغ فيها الرحمة إفراغا وهي أول ليلة من رجب ، وليلة النصف من شعبان ، وليلتا العيدين . وكتب إلى عماله : إذا دعتكم قدرتكم على الناس إلى ظلمهم ، فاذكروا قدرة اللَّه تعالى عليكم ، ونفاد ما تأتون إليه وبقاء ما يأتي إليكم ، من العذاب بسببهم . وذكر غير واحد عن محمد المرزوي قال : أخبرت أن عمر بن عبد العزيز رضي اللَّه تعالى عنه ، لما دفن سليمان بن عبد الملك ، وخرج من قبره سمع للأرض هدة أورجة ، فقال : ما هذه ؟ فقيل : هذه مراكب الخلافة قربت إليك يا أمير المؤمنين لتركبها ! فقال : ما لي ولها نحّوها عني وقربوا إلي دابتي ! فقربت إليه فركبها ، فجاء صاحب الشرطة ليسير بين يديه بالحربة ، جريا على عادة الخلفاء قبله ، فقال له : تنح عني ، ما لي ولك إنما أنا رجل من المسلمين ، ثم سار مختلطا بين الناس حتى دخل المسجد ، فصعد المنبر فاجتمع الناس إليه ، فحمد اللَّه وأثنى عليه ، وذكر النبي صلى اللَّه عليه وسلم ، ثم قال : أيها الناس إني ابتليت بهذا الأمر من غير رأي مني فيه ، ولا طلبة ولا مشورة من المسلمين ، وإني قد خلعت ما في أعناقكم من بيعتي ، فاختاروا لأنفسكم غيري . فصاح المسلمون صيحة واحدة قد اخترناك يا أمير المؤمنين ، ورضيناك أميرنا باليمن والبركة . فلما سكتوا ، حمد اللَّه تعالى ، وأثنى عليه ، وصل على النبي صلى اللَّه عليه وسلم ، ثم قال : أوصيكم بتقوى اللَّه فإن تقوى اللَّه تعالى خلف من كل شيء ، وليس من تقوى اللَّه خلف ، واعملوا لآخرتكم ، فإنه من عمل لآخرته كفاهه اللَّه أمر دنيه وآخرته ، وأصلحوا سرائركم يصلح اللَّه علانيتكم ، وأكثروا ذكر الموت ، وأحسنوا له الاستعداد قبل أن ينزل بكم ، فإنه هاذم اللذات ، وإني واللَّه لا أعطي أحدا باطلا ، ولا أمنع أحدا حقا .

--> « 1 » الأبيات في العقد الفريد : 2 / 88 . « 2 » في العقد : وليت فلم تشتم ولم تخف بريا « 3 » في العقد : وصدّقت بالفعل المقال « 4 » في العقد : بأخذ لدينار ولا أخذ درهم . « 5 » في العقد : وأعظم بها أعظم بها ثم أعظم .